يا سيد غنوشي, أترك الشعب التونسي وحاله, أرجوك.
هذا الشعب مسلم ذو جذور ضاربة في التاريخ وآخر ما يحتاج إليه هو حزب يقسمه إلى مسلمين و كفار.
إذا أردت إستعمال طاقة التدين عند التونسي لمصلحة البلاد, فما عليك إلا أن تقوم بالعمل الدعوي في المساجد و تترك السياسة لأهل هذه الدنيا.
كل تونسي يأسف و يتألم لما قاسته جماعة النهضة و لا بد من إنصافكم إجتماعيا و أخلاقيا، لكن مع كل إحتراماتي، فإن كل العذاب و الألم الذي قاسيتموه في عهد بورقيبة ثم بن علي لا يعطيكم اليوم أي أولوية أو أحقية في الشأن التونسي.
إذا كان لديك مشروع سياسي مدني لهذا البلد فما عليك إلا أن تنزع العباءة الدينية عن حركتك نهائيا.
أن تدغدغ مشاعر التونسي و غيرته على دينه بأنك أحسن من يصلي على النبي في تونس فهذا أمر غير أخلاقي و يجعل البلد، في حالة فوزكم، ينزلق في متاهات نحن في غنى عنها.
إذا كنت مسلما غيور على دينه ووطنه فإبتعد عن السياسة و إتجه إلى القلوب و سأكون أول من يصغي إليك في أمور الدين و الدعوة.
إعلم يا سيدي أن هناك شريحة لا بأس بها من التونسيين لا يفرقون بين الدين و السياسة, و أنهم أول المرشحين لإعطائكم أصواتهم دون شرط أو قيد.
هؤلاء سوف يعطوك صوتهم لأنك تصلي على النبي في كل بداية حديث لك و لأنك تقول أن حزبك خلفيته إسلامية و أن الأغلبية الساحقة من أعضائه متدينون.
بالنسبة لهؤلاء أنت الإسلام، أحببت أم كرهت، و لن تجد أحدا منهم يعرف أي نقطة من نقاط برنامج حركتكم أو إطلع على ذلك.
إذا كنت يا سيدي ترضى بنصر على ظهور البسطاء و العامة الأقل وعي في شعبك فماذا سيكون موقفك أمام خالقك.
إذا أردت لإسلام هذا البلد خيرا يا سيدي فإني أنتظر مساهمتكم في هذا المجال عن طريق الدعوة و التنوير و ليس على منابر السياسة و الصراعات الإيديولوجية.
هذا الشعب أنجز عملا عظيما هو بصدد تغيير وجه التاريخ البشري إلى الأبد.
هذا الشعب أمام فرصة تاريخية مجيدة لم يعرفها تاريخنا منذ قرطاج و الأندلس.
هل تعتقد يا سيدي جادا أن النهضة هي من سينهض بتونس فعلا.
ألى ترى أنه ليس بصدفة أن ينطلق الفجر العربي من تونس بالذات و ليس من أي بلد من البلدان العظيمة التي إستوردت منها إيديولوجيتك؟
ألم تتساءل لحظة عن سر هذا الإستثناء التونسي و لماذا إستطاع التونسي وحده أن يقوم بهذه المعجزة؟
هل تعتقد فعلا بأن التونسي قام بما قام لأنه تشبع بحكمتكم و حفظ كتبكم عن ظهر قلب، أو أن القنوات التلفزية النايلصاتية "التنويرية" وراء ما جرى.
هل تعتقد فعلا أن التونسي أنجز ما أنجز لأنه يحمل نظرتكم الثورية للحياة التي تلقاها في الدروس السرية التي كنتم تقومون بها في المساجد.
هذا الشعب يا سيدي عريق و متجدد و هو متميز فقط لأنه ظهر فيه رجال أمثال إبن خلدون و أبو الضياف و خير الدين و الشابي و حشاد و بورقيبة, إلخ.
أنتم يا سيدي تحاربون في التونسي خصوصيته التاريخية التنويرية التي أدت إلى الثورة المجيدة التي كنتم أول الراكبين عليها.
يا سيدي لقد كنت في يوم من أيام شبابي الأولى من المتعاطفين مع الفكر الإسلامي بحكم هويتي، لكنني سرعان ما فارقت ذلك الهوى بمجرد إصتدامي بالواقع المتطرّف لحاملي تلك الأفكار, ذوي اللغة المزدوجة الإنتهازية التي أهم عنوان لها:
الديمقراطية = حصان طروادة هذا العصر.
النيزنوت